أحمد مصطفى المراغي

26

تفسير المراغي

غيره يكون ظالما بمقتضى شريعتهم وشريعة ملك مصر - اعتزلوا الناس ولم يخالطوا أحدا ، وانفردوا للمناجاة والتشاور في أمرهم . وخلاصة ذلك - أن أولئك الإخوة العشرة بعد أن انتهى كبيرهم من استعطاف العزيز وعدم جدوى ما فعل ، غادر كل منهم رحله وانضم بعضهم إلى بعض وأدنى رأسه من رأسه وأرهفوا آذانهم للنجوى . ( قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ ) أي قال كبيرهم عقلا ورأيا وهو يهوذا ، ألم تعلموا أيها القوم أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهد اللّه وميثاق لتردّنّه إليه إلا أن يحاط بكم ، وقد رأيتم كيف تعذر ذلك عليكم . ( وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ) أي ومن قبل هذا قد قصرتم في حفظ يوسف بعد وعدكم المؤكد بحفظه ، وكيف أن أباكم قد قاسى من أجله من الحزن ما قاسى . ( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ) أي فلن أفارق أرض مصر حتى يأذن لي أبى بتركها والرجوع إليه وبنيامين فيها ، أو يحكم اللّه لي بأمر من عنده مما هو غيب في علمه ، كأن يترك العزيز لي أخي بإلهام منه تعالى أو بسبب آخر . ( وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ) لأنه لا يحكم إلا بما هو الحق والعدل ، وهو المسخر للأسباب والمقدر للاقدار . ثم أمرهم أن يقولوا لأبيهم ما يزيلون به التّهمة عن أنفسهم قال : ( ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ) صواع الملك فاسترقه وزيره العزيز القائم بالأمر في مصر عملا بشريعتنا ، إذ نحن أنبأناه بها بعد أن استنبأنا إياها . ( وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ) أي وما شهدنا عليه بالسرقة بسماع أو إشاعة أو تهمة بل ما شهدنا إلا بما علمنا ، إذ رأينا الصواع قد استخرج من متاعه . ( وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ ) فنعلم أنه سيسرق حين أعليناك المواثيق ، ولو كنا نعلم ذلك لما آتيناك العهد الموثق علينا .